محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
654
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأضداد ، وذلك يوم الشريعة ؛ ولولا خصالهم الخير والحقّ في الدنيا لمّا صاروا شهداء عدولا في الآخرة ، ولولاهم لتعطّلت حقوق اللّه في الدنيا والآخرة . وسرّ آخر : الشهداء والأشهاد عبارتان مترادفتان بمعنى واحد ، والقيامة يوم يقوم فيه الأشهاد على ربوة في العرصات ، وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ هم الشهداء عند ربّهم يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ . والناس على ثلاثة أصناف : أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون ، أو على صنفين : فريق للجنّة وفريق للسعير ؛ وكذلك الناس في الدنيا على أصناف ثلاثة : عالم ومتعلّم وهمج ، أو ظالم أو مقتصد وسابق ، أو هم على صنفين : محقّ ومبطل : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . والشهداء يعرفون كلّا بسيماهم ؛ فيشهدون للأنبياء السابقين بالتبليغ ، ويشهدون لأممهم الهادية المهديّة بالتصديق ، ويشهدون للضالّين بالتكذيب ؛ وشرط الشهادة الصدق في المقال والعدل في الأفعال ، والشهداء يصدّق بعضهم بعضا ، والمختلفون في آرائهم المتفرّقون في مسالكهم يكفّر بعضهم بعضا ، ويوم القيامة يلعن بعضهم بعضا ؛ فلم يكونوا من جملة الأمّة الوسط ولم يصلحوا للشهادة ، والعجب أنّهم كما يختلفون بالتفرّق فرقة فرقة كذلك تختلف كلّ فرقة مع أصحابها صنفا صنفا ؛ فالقدرية أصناف والجبرية أصناف ، وكما يفترقون صنفا [ صنفا ] كذلك يفترقون شخصا شخصا ؛ فلكلّ شخص رأي ومقالة حتّى يخالف الوالد ولده ، والولد والده ، والتلميذ أستاذه ، والمأموم إمامه ، والمتعلّم معلّمه ، كما يقول أرسطاليس : أفلاطون لنا صديق والحقّ لنا صديق والحقّ أولى أن يتبع . وكما يقول الجبائي لابنه هاشم وهما في العرفات : ترى هؤلاء الجمع ( 265 ب ) كلّهم عندي كفرة . ويقول ابنه : وأنت يا أبة عندي كذلك إذ خالفتني في مسألة الحال . وكما يختلف الشخصان من فرقة واحدة كذلك يخالف شخص واحد رأيه في كلّ وقت وزمان ، وكان في نفسه شركاء متشاكسون ؛ فلم يصلح هؤلاء كلّهم أن يكونوا وسطا خيارا عدلا شهداء على الناس ، ولا يكون الرسول شهيدا عليهم ، بل الشهداء متصادقون ، والأشهاد متوافقون ، يتّبعون ولا يبتدعون ، يتعارفون ولا يتناكرون ، يتعاونون ويتناصرون ولا يتباغضون ولا يتحاسدون ، دينهم الحبّ في اللّه والبغض في اللّه ، خلقهم العفو عمّن